القرآن الكريم » تفسير ابن كثر » سورة يونس
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) (يونس) 
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ النِّعَم الدِّينِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة وَقَوْله " مُبَوَّأ صِدْق " قِيلَ هُوَ بِلَاد مِصْر وَالشَّام مِمَّا يَلِي بَيْت الْمَقْدِس وَنَوَاحِيه فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَهْلَكَ فِرْعَوْن وَجُنُوده اِسْتَقَرَّتْ يَد الدَّوْلَة الْمُوسَوِيَّة عَلَى بِلَاد مِصْر بِكَمَالِهَا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَع فِرْعَوْن وَقَوْمه وَمَا كَانُوا يَعْرُشُونَ " وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى " فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون وَكُنُوز وَمَقَام كَرِيم كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيل " وَقَالَ " كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون " الْآيَات وَلَكِنْ اِسْتَمَرُّوا مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام طَالِبِينَ إِلَى بِلَاد بَيْت الْمَقْدِس وَهِيَ بِلَاد الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَاسْتَمَرَّ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ طَالِبًا بَيْت الْمَقْدِس وَكَانَ فِيهِ قَوْم مِنْ الْعَمَالِقَة فَنَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيل عَنْ قِتَالهمْ فَشَرَّدَهُمْ اللَّه تَعَالَى فِي التِّيه أَرْبَعِينَ سَنَة وَمَاتَ فِيهِ هَارُون ثُمَّ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام وَخَرَجُوا بَعْدهمَا مَعَ يُوشَع بْن نُون فَفَتَحَ اللَّه عَلَيْهِمْ بَيْت الْمَقْدِس وَاسْتَقَرَّتْ أَيْدِيهمْ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُمْ بُخْتُنَصَّرَ حِينًا مِنْ الدَّهْر ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَخَذَهَا مُلُوك الْيُونَان فَكَانَتْ تَحْت أَحْكَامهمْ مُدَّة طَوِيلَة وَبَعَثَ اللَّه عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام فِي تِلْكَ الْمُدَّة فَاسْتَعَانَتْ الْيَهُود قَبَّحَهُمْ اللَّه عَلَى مُعَادَاة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِمُلُوكِ الْيُونَان وَكَانَتْ تَحْت أَحْكَامهمْ وَوَشَوْا عِنْدهمْ وَأَوْحَوْا إِلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا يُفْسِد عَلَيْكُمْ الرَّعَايَا فَبَعَثُوا مَنْ يَقْبِض عَلَيْهِ فَرَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ وَشُبِّهَ لَهُمْ بَعْض الْحَوَارِيِّينَ بِمَشِيئَةِ اللَّه وَقَدَره فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ هُوَ " وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّه عَزِيزًا حَكِيمًا " ثُمَّ بَعْد الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام بِنَحْوِ ثَلَثمِائَةِ سَنَة دَخَلَ قُسْطَنْطِين أَحَد مُلُوك الْيُونَان فِي دِين النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ فَيْلَسُوفًا قَبْل ذَلِكَ فَدَخَلَ فِي دِين النَّصَارَى قِيلَ تَقِيَّة وَقِيلَ حِيلَة لِيُفْسِدهُ فَوَضَعَتْ لَهُ الْأَسَاقِفَة مِنْهُمْ قَوَانِين وَشَرِيعَة بَدَعُوهَا وَأَحْدَثُوهَا فَبَنَى لَهُمْ الْكَنَائِس وَالْبِيَع الْكِبَار وَالصِّغَار وَالصَّوَامِع وَالْهَيَاكِل وَالْمَعَابِد وَالْقِلَايَات وَانْتَشَرَ دِين النَّصْرَانِيَّة فِي ذَلِكَ الزَّمَان وَاشْتَهَرَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَبْدِيل وَتَغْيِير وَتَحْرِيف وَوَضْع وَكَذِب وَمُخَالَفَة لِدِينِ الْمَسِيح وَلَمْ يَبْقَ عَلَى دِين الْمَسِيح عَلَى الْحَقِيقَة مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيل مِنْ الرُّهْبَان فَاتَّخَذُوا لَهُمْ الصَّوَامِع فِي الْبَرَارِيّ وَالْمَهَامِه وَالْقِفَار وَاسْتَحْوَذَتْ يَد النَّصَارَى عَلَى مَمْلَكَة الشَّام وَالْجَزِيرَة وَبِلَاد الرُّوم وَبَنَى هَذَا الْمَلِك الْمَذْكُور مَدِينَة قُسْطَنْطِينِيَّة وَالْقُمَامَة وَبَيْت لَحْم وَكَنَائِس بِبِلَادِ بَيْت الْمَقْدِس وَمُدُن حُورَان كَبُصْرَى وَغَيْرهَا مِنْ الْبُلْدَان بِنَاءَات هَائِلَة مُحْكَمَة وَعَبَدُوا الصَّلِيب مِنْ حِينَئِذٍ وَصَلَّوْا إِلَى الشَّرْق وَصَوَّرُوا الْكَنَائِس وَأَحَلُّوا لَحْم الْخِنْزِير وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْفُرُوع فِي دِينهمْ وَالْأُصُول وَوَضَعُوا لَهُ الْأَمَانَة الْحَقِيرَة الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْكَبِيرَة وَصَنَّفُوا لَهُ الْقَوَانِين وَبَسْط هَذَا يَطُول . وَالْغَرَض أَنَّ يَدهمْ لَمْ تَزَلْ عَلَى هَذِهِ الْبِلَاد إِلَى أَنْ اِنْتَزَعَهَا مِنْهُمْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَكَانَ فَتْح بَيْت الْمَقْدِس عَلَى يَدَيْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة وَقَوْله " وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات " أَيْ الْحَلَال مِنْ الرِّزْق الطَّيِّب النَّافِع الْمُسْتَطَاب طَبْعًا وَشَرْعًا وَقَوْله " فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْم " أَيْ مَا اِخْتَلَفُوا فِي شَيْء مِنْ الْمَسَائِل إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمْ الْعِلْم أَيْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَخْتَلِفُوا وَقَدْ بَيَّنَ اللَّه لَهُمْ وَأَزَالَ عَنْهُمْ اللَّبْس وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيث " إِنَّ الْيَهُود اِخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَإِنَّ النَّصَارَى اِخْتَلَفُوا عَلَى اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ فِرْقَة مِنْهَا وَاحِدَة فِي الْجَنَّة وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار " . قِيلَ مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ فِي السُّنَن وَالْمَسَانِيد وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " إِنَّ رَبّك يَقْضِي بَيْنهمْ " أَيْ يَفْصِل بَيْنهمْ " يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " .
كتب عشوائيه
- هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيمًا؟بحثٌ مُقدَّم في مسابقة مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد - صلى الله عليه وسلم - للبرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة، وقد قسمه الباحث إلى أربعة فصول، وهي: - الفصل الأول: مدخل. - الفصل الثاني: مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة. - الفصل الثالث: تعريف بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. - الفصل الرابع: مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد البعثة. وقد جعل الفصول الثلاثة الأولى بمثابة التقدمة للفصل الأخير، ولم يجعل بحثه بأسلوب سردي؛ بل كان قائمًا على الأسلوب الحواري، لما فيه من جذب القراء، وهو أيسر في الفهم، وفيه أيضًا معرفة طريقة الحوار مع غير المسلمين لإيصال الأفكار الإسلامية الصحيحة ودفع الأفكار الأخرى المُشوَّهة عن أذهانهم.
المؤلف : محمد حسام الدين الخطيب
الناشر : موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/322896
- شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنةشرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة مجردة عن البدع والخرافات التي ألصقت بها وهي ليست منها.
المؤلف : صالح بن فوزان الفوزان
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/314829
- الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاةالدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة: يتكون هذا الكتاب من جزئين: الجزء الأول: يحتوي على 150 درسًا يوميًّا للدعاة والخطباء وأئمة المساجد للقراءة على المصلين. الجزء الثاني: يحتوي على 100 درسًا. - قدَّم للكتاب مجموعة من المشايخ، وهم: الشيخ عبد العزيز الراجحي، والشيخ ناصر بن سليمان العمر، والشيخ سعد بن عبد الله الحُميد، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد - حفظهم الله تعالى -.
المؤلف : أمين بن عبد الله الشقاوي
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/197324
- طريق الإيمانطريق الإيمان: إن الواجب على كل عبدٍ أن يعرف الهدف من خلق الله - سبحانه وتعالى - له ولغيره من خلق الله، وهو: العبادة، ويعمل بكل ما آتاه الله من نعمٍ في تقوية الإيمان وتثبيته والحرص على زيادته بالأعمال الصالحة التي تنبني على علمٍ صحيحٍ مُستقًى من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وهذه الرسالة المختصرة تتناول هذا الموضوع بشيءٍ من التفصيل.
المؤلف : عبد المجيد بن عزيز الزنداني
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/339043
- أحصاه الله ونسوهأحصاه الله ونسوه: قال المصنف - حفظه الله -: «أقدم للقارئ الكريم الجزء السادس من سلسلة: أين نحن من هؤلاء؟ تحت عنوان: «أحصاه الله ونسوه» الذي يتحدَّث عن آفات اللسان ومزالقه. وقد بدأت بمداخل عن اللسان وعظم أمره، ثم آفة الغيبة وأتبعتها النميمة والكذب والاستهزاء».
المؤلف : عبد الملك القاسم
الناشر : دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/229602












